الوقف الصحي ...

د. عبدالعزيز بن محمد بن عبدالله السدحان

الأحد 25 / محرم / 1429هـ    3 / فبراير / 2008 م

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:مصالح الناس المتعلقة بصحة أبدانهم من الضروريات التي عنيت بها جميع الأديان السماوية، وهي بدهًا مما توجبه العقول وتقطع وتطمئنّ به الفطر.والناظر في تاريخ البلدان والأمصار يرى أنّ العناية بشأن الصحة من مدارس الطبّ ومباني المصحَّات والكتب المتعلقة بالأدوية وأنواعها وأجناسها، ناهيك عن تراجم الأطباء... قد بلغ ذلك كلّه شأوًا بعيدًا، ولذا دوَّن قلم التاريخ وشهدت صفحاته بما فخرت به بعض البلدان الإسلامية بما يسمَّى بـ«البيمارستانات»، والمراد بها: المستشفيات، التي بلغت من شهرتها شدّ الرِّحال لها طلبًا لتلقِّي العلاج أو تعلّم أمور الداء والدواء.وعودًا على بدء أقول:إنّ تلك المستشفيات حظيت بعناية تامّة من الناس، سواء حكّامًا ومحكومين، وبيت القصيد من ذلك ما أوقف المسلمون عليها من الأوقاف الكثيرة المتنوِّعة، وعندما ظهر نفعُها تكاثرت الأوقاف عليها مع تقادم الزمن؛ مما جعل تلك المستشفيات تستمرّ في أداء دورها على أحسن وجه، ولم يقف نفع تلك الأوقاف على دوام عمل تلك المستشفيات فحسب، بل اتّسعت دائرة نفعها فأنشئت مستشفيات أخرى تتغذى من تلك الأوقاف المباركة التي يُعنى الناس برعايتها وزيادتها.ولعظيم شأن الوقف ونفعه في الدنيا والأخرى.. جاءت النصوص الكثيرة في الحثّ عليه والمبادرة إليه، وكان الصحابة ــ رضي الله تعالى عنهم ــ من السبَّاقين إلى ذلك، وجرى عليه عمل المسلمين ولا يزال ذلك ولله الحمد.إلاّ أنّ الملاحَظ أنّ كثيرًا من الأوقاف في بلاد المسلمين في هذا العصر تقتصر على بناء مسجد، أو تفطير صائمين، أو ذبح أضحية، أو تحفيظ القرآن، وهذا من الخير العظيم بلا ريب.لكن كلّما كان النفع أعظم ــ وبخاصة عند الحاجة إليه ــ كان الأجر أكثر، وبخاصة أنّ المشاريع السابقة ــ من بناء مساجد... إلخ ــ ظهرت وانتشرت وعمَّ خيرُها وقد يقوم بها آحادٌ من الناس.ولذا فإنّ ممّا تشتدّ الحاجة إليه ويعظُم النفع به ولا غنى للناس عنه: ما يتعلق بالدواء والاستطباب.والشاهد هنا: غفلة أو تهاون كثير من أهل الخير بعظيم أجر ونفع وإنشاء دور العلاج، أو إجراء بعض الأوقاف عليها؛ فذلك من النفع العظيم، وقد يكون أعظم نفعًا ــ عند مسيس الحاجة إليه ــ من بناء مسجد أو تفطير صائم أو أضحية أو دعم تحفيظ كما تقدّم آنفًا.ومن نظر إلى كثرة الأمراض وكثرة المصابين مع تأخّر المواعيد... أيقن أنّ الطلب أكثر من العرض، وهنا تشتدّ الحاجة إلى السعي في الالتفات بقوّة إلى الأوقاف المتعلّقة بالشؤون الطبِّية.والذي أقترحه: هو إنشاء مشروع تحت مسمّى «الوقف الصحي» يكون ريعه خاصًّا للأمور الصحِّية، وتتولى وزارة الصحَّة الإشراف العامّ على تشغيله عن طريق شركة أو مؤسسة أو ما يدخل تحت قطاع التشغيل، وتكوَّن لجنة خاصَّة للنظارة على الوقف من أهل الخبرة والاختصاص في شؤون الطبّ من المشهود لهم بالكفاءة والأمانة؛ ليقوموا بالسعي في تشغيل ذلك الوقف وما تفرَّع منه من أقسام، وتجهيزه بما يحتاج إليه من عاملين وأجهزة وصيانة... إلى غير ذلك.ومن المتوقّع ــ بتوفيق الله تعالى ــ أن يكون من ثمار هذا الوقف المبارك:1- تشغيل وتفعيل كثير من المرافق الصحِّية الخيرية في مناطق المملكة.2- المساهمة في المشاريع الخيرية، وبخاصة في شؤون المرضى الفقراء.3- صرف المكافآت والجوائز على أهل الجهود المتميِّزة من أطباء وممرِّضين وموظفين وغيرهم من العاملين تحت مظلة الوقف وما تفرَّع منه.4- المشاركة في الدعم القويّ للحملات الإعلامية الصحِّية.5- سيبقى أثر هذا الوقف مستمرًّا إلى ما شاء الله تعالى.وللبدء في إنشاء هذا الوقف الخيري الصحِّي يمكن طرح الأمر على من يوثق به من أصحاب الخبرة من رجاء الأعمال والإدارة والقائمين على المؤسسات الخيرية.وأمَّا طريقة جمع المال فيمكن ــ بعد الاستشارة وحسب النظم الإدارية ــ أن يتمّ الإعلان عن ذلك في وسائل الإعلام، وسيُرى إن شاء الله تعالى من المسؤولين خصوصًا ومن رجال الأعمال والناس عمومًا ما يسُرّ من المشاركة والبذل لمثل هذا المشروع.ولقد كتبتُ خطابًا شخصيًّا مطوَّلاً بتاريخ: 8/4/1424هـ موجَّهًا إلى معالي وزير الصحَّة الأخ الكريم الدكتور حمد المانع حفظه الله تعالى، ذكرتُ فيه عدّة مقترحات، من أهمِّها ما يتعلق بالوقف الصحِّي، ولعله مع كثرة مشاغله لم يغفل عنه، وأجزم ــ إن شاء الله تعالى ــ أنّ معاليه من الحريصين على كلّ ما يهمّ صحَّة المواطن، انطلاقًا من مرضاة الله تعالى أولاً ثمَّ أداءً للأمانة التي أوكلها إليه ولاة الأمر.ولعلّ معالي الوزير بعد دراسة هذا الأمر يعرض هذا الاقتراح على أمير الرِّياض الأمير سلمان سلّمه الله تعالى، وأحسب أنّ سموَّه سيكون مفتاح خير لمثل هذه المشاريع التي ــ بالإضافة إلى ما تقدّمه الدولة من العلاج المجَّاني ــ ستكون رافدًا مهمًّا لحاجة الفقراء بخاصة، ومن المعلوم أنّ العناية بالفقراء من أعظم أسباب النصر؛ لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «أبغوني الضعفاء، فإنما تُرزَقون وتُنصَرون بضعفائكم».وإذا وفّق الله تعالى وتمَّ إنشاء وقف صحِّي في الرِّياض فسيكون ذلك مفتاح خير لأوقاف صحِّية أخرى في شتّى مناطق المملكة.وممّا يُذكر فيُشكر ما نقرأ ونسمع بين الفينة والأخرى من التبرُّع ببعض التجهيزات الطبِّية، كإنشاء مستوصف، أو توفير سيارات إسعاف، أو أجهزة لغسل الكلى... فكلّ هذا وأمثاله ممّا يعظم نفعُه ويكثر خيرُه.والمظنون بأهل الخير والإحسان أنهم سيكونون من السبّاقين إلى دعم مثل هذا الوقف الصحِّي الذي سيكون ــ إن شاء الله تعالى ــ رافدًا مستمرًّا في دعم مسيرة التداوي.وممّا يحسُن ذكرُه في هذا المقام ما شهد به التاريخ من عناية المسلمين بشأن الأوقاف وتعدّد منافعها التي تغطي كثيرًا ممّا يحتاجه الفقراء بخاصة، وأسوق هنا شيئًا ممّا جاء في كتاب «ما لا يعلمه الناس من الأوائل العربية» لعبدالرؤوف المصري ناقلاً عن الأمير شكيب أرسلان في تعليقه على كتاب «حاضر العالم الإسلامي»، حيث نقل شكيب «أنّ من أنواع الوقف وضروبه ما يقضي بالعمل في عالم الإنسانية كلّها: وهي في فنِّها لم تخطر على قلب بشر، هذه الغرائب والعجائب هي أوقاف حُبس ريعُها على أدقّ ما عرفته الإنسانية من وجوه البرّ، ومن أكرم الأحاسيس والمشاعر، وهذه الأوقاف أكثرها في فاس وتونس والشام ومكّة... وإليكم ذكر طائفة من أنواع الوقف في كلّ قُطر:الشــــــــــــــــــام: 1- وقف الزبادي: وذلك ليعوّض على الفقير الذي كُسرت آنيتُه، فيحمل الفقير أجزاء تلك الآنية ويذهب بها إلى دار هذا الوقف وتُعرض على قيِّم هذا الوقف قطع الآنية المكسورة فيُعطيه القيِّم آنيةً شبه التي كُسرت من الخزف الصيني.2- وقف لتزويج البنات الفقيرات: ولا شكّ أنّ هؤلاء البنات لا يقدم على الزواج بهنّ إلاّ الفقير العاني مثلهنّ؛ فإدارة هذا الوقف تكسو البنت المتزوِّجة ظاهرها وباطنها، وتشتري لها أدوات التجميل والزينة، وتهيِّئ لها متاعًا وفراشًا تدخل به على زوجها بعد أن تصلح شأنها.3- وقفٌ لسُقيا الماء المثلوج لعابري الطريق والغرباء: الذين يقصدون دمشق في سفرهم أثناء الصيف، حيث تكون الهاجرة أخذت مأخذها، واشتدّ بهم من العطش أواره، فالوافدون على المدينة يُقابَلون من رجال إدارة هذا الوقف بالماء المثلوج، وماء الخروب المثلوج، والسوس، وما أشبه من الأشربة الكثيرة الأنواع.4- وقف للخيل التي إذا بلغ بها الكبر وعجزت عن العمل: سواء كانت من خيل الركوب والسباق أم من خيل الأحمال وشقّ الأرض؛ فيؤتى بها إلى الملجأ الذي أقامه هذا الوقف فتُعلف وتُسقى وتُخدم هذا الخيل حتى تموت موتًا طبيعيًّا، وهذا من أعظم ما أسِّس للرفق بالحيوان.5- وقف لمستشفى المجاذيم: يقصده كل من وقع في مرض الجُذام، ويُقيم في هذا المستشفى حتى يبرأ أو يموت.6- أما أوقاف البيمارستان للمجانين فهذه كثيرة لا تُحصى.مكــــــــــــــــــــــة:1- وقف لمنع الكلاب من دخول مكة: وذلك لكثرة ما يعرض لها من السَّعَر والكَلَب.2، 3- وقف لبعض المشروعات الخيرية الكثيرة النوع: والتي قام بها بعض نجباء المسلمين لأجل تخفيف لوعة الفقير ومواساته وجبر خاطره، فمن هذه المشروعات أنه يوجد في مكة وقف لإعارة الفقراء أثاثًا تُزيّن به حفلاتهم في أفراحهم، كما يوجد وقفٌ آخر لإعارة أدوات السفر والمفروشات للعزائم والوضائم ( أي الحفلات ) وطعام المأتم.4- ويوجد أيضًا وقف لإعارة الحُليّ والزِّينة في الأعراس لفقراء مكة ومتوسِّطي الحال فيها، جبرًا لخاطرهم؛ فيبرز العروسان في حُلي وحُلل سنيَّة وقت زفافهما، وعندما ينقضي وقت العُرس يردّ كلٌّ حُليّه وحُلله إلى دار الوقف، وبهذا المساعدة يستغني كلُّ فقير أو متوسِّط الحال من شراء ما لا طاقة له بشرائه، فما أبركَ هذا المشروع الجميل وهذا الإحساس السامي، فهل عرف الغربيُّون مثل هذا؟!تونــــــــــــس:1- وقف لتزويج بنات الفقراء واليتيمات: وهو على غرار الوقف الذي بالشام مما ذُكر آنفًا.2- وقفٌ للاستحمام مجّانًا: وذلك أنّ هذا الوقف يُهيِّئ صُررًا من الدراهم، وكلّ صُرّة فيها مقدار أجرة الحمَّام فيأخذها المحتاج من دار الوقف ويدفعها لصاحب الحمَّام.3- وقف لصبيان المدارس والكتاتيب: لدفع دراهم لهم كلّ يوم خميس حثاًّ على المثابرة وحفظ القرآن، وتفريجًا لأزماتهم وإدخال السرور على نفوسهم.4- وقف لختان أولاد الفقراء وإعطائهم كسوة ودراهم.5- وقف لتوزيع الحلوى في رمضان على من يرغب فيها من ذوي الحاجات.6- وقف لإعطاء ثمن الإناء للفقراء بدل الإناء المنكسر: وهذا مماثل لوقف الزبادي الذي بدمشق.7- وقف لتزويج البنات الأبكار اللاتي هنّ بمحلّ من الزواج: وهذا ليس خاصًّا بالبنات الفقيرات، بل لكل من تريد أن تُصلح شأنها بالإنفاق المستطاع الذي لا يُمكِّنها أهلها من مجاراة أمثالها.8- وقف لجمع السمك من الشطوط لتوزيعه على الفقراء بمعرفة رجال إدارة هذا الوقف.فــــــــــــــــــاس:1- وقف الآنية: مثل ما في دمشق وتونس.2- وقف لكلّ من وقع عليه زيت مصباح، أو تلوّث بالزيت أو بغيره: فيذهب صاحب الثوب الملوَّث إلى إدارة هذا الوقف فيعرض عليهم ثوبه فيعوضون عليه ثمن ثوبه، ويبقى الثوب الملوَّث في يد صاحبه.3- وقف العميان والزَّمْنى ( المقعدين ): يأخذون كلّ يوم من ريعه ما يعيشون به، ذكورًا كانوا أم إناثًا.4- وقف للإنفاق على ذوي العاهات: لأية عاهة كانت.5- وقف لرفع الحجارة من الطرقات: وهذا خاطرة لم تخطر على بال أحد قبل هذا الوقف؛ ليسهل سلوك السابلة لئلا يعثر سالك أو دابة بها.6- وقف لسقي المثلوجات أيام الحرّ، كما هو في دمشق مما ذكرناه آنفًا.7- وقف يُسمّى دار الدقّة: وهي مؤسسة يلجأ إليها النساء اللاتي وقع نفورٌ بينهنّ وبين أزواجهنّ، فيعمدن إلى هذه الدار ويمكثن فيها آكلات شاربات حتى يزول النفور بسعي الساعين، ويرجعن إلى بعولتهنّ، وعلى هذه المؤسسة أوقافٌ كثيرة، ورجالها القائمون عليها من أعفِّ الرِّجال وأدناهم للخير وأكرمهم منزلةً في قومهم.8- وقف لتجهيز الموتى والمساكين... كما أنه يوجد لهذا الوقف أيضًا دار لإيواء المعتوهين.9- وقف لشراء الملابس لتوزّع على الفقراء».والحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات.

 

المصدر / موقع فضيلة الشيخ الدكتور عبدالعزيز بن محمد السدحان


إضافة تعليق


رمز التحقق
تحديث

 

      

عداد الزوار

1441424
اليوم
أمس
هذا الأسبوع
الأسبوع الماضي
هذا الشهر
الشهر الماضي
كل الأيام
1129
1420
4777
788107
14468
37729
1441424
 
 

إحصائيات

عدد الزوار
4659
عدد الصفحات
1039
روابط دليل المواقع
1
عدد الزيارات
685264