أوقاف الجامعة ليست للأغنياء فقط

21/12/2014

2012-11-15_031812.jpg

 

الأحد 29 صفر 1436هـ 21 ديسمبر 2014م

أعادت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن استخدام الوقف، ساعية في تحقيق ميزة تنافسية؛ لدعم البحث العلمي والتوسع في فرص تمويل النشاط العلمي.

والوقف ممارسة إسلامية، لم تتوقف قط، بل يزيد الاقبال عليها ويخبو، ولفترة طويلة استأثرت الاستخدامات التقليدية على الأصول الموقوفة؛ وقد انتشرت الأوقاف في مكة المكرمة والمدينة المنورة، فهناك أوقاف تعود لمئات السنين منذ السنوات الأولى للإسلام. وهناك أوقاف مشهورة ما زالت قائمة حتى الآن، وتتابع إحياء تلك السنة عبر القرون والأجيال، فحرص عليها الحكام وأصحاب الثروات، فتجدها شاخصة أمامك في العواصم الإسلامية: كدمشق وبغداد والقاهرة، وهي تتنوع من حيث المنفعة، فمنها ما يخصص للإنفاق على طلبة العلم، أو الأرامل والأيتام، أو لعابري السبيل.

وتجد بعض الأوقاف هائلة القيمة عبارة عن مقاطعات كاملة أو مزارع شاسعة أو عقارات مليارية القيمة، وبعضها عبارة عن “سبيل ماء”. المهم هنا أن أحداً يملك عيناً ورأى أن يمكن غيره من منفعتها، وعند التمعن سنجد أن هذه هي الصيغة التي عمل بها المسلمون؛ تحقيقاً لما عُرف بعد ذلك بالمسئولية الاجتماعية، بأن تخصص شركة جزءاً من أرباحها لمنفعة المحيط الذي “تبيع” فيه، باعتبار أن العلاقة يجب ألا تنحصر فقط بالأخذ بل لا بد كذلك من العطاء والاهتمام بالمجتمع الذي أعطى ويُعطي.

وباعتبار أن الأحساء كانت دائماً مستودعاً للثروة التقليدية، وهي الزراعة، وخصوصاً التمور، والتجارة فقد انتشرت فيها الأوقاف في المزارع والعقارات، وقد لاحظت ذلك منذ الصغرّ، فأول مرة وقعت كلمة وقف على سمعي كانت عندما ذهبت لبستان نخلٍ غناء أوقفه عمٌ لوالدي–رحمة الله عليهما-، حيث أوقف العديد من النخيل لاستخدامات متعددة ترتكز حول الاهتمام بـ”الحمولة” في مسعى لتجنيب أبناء عمومته الفقر ومذلة السؤال، والملفت أنه لم ينس أن يخصص وقفاً ينفق منه لطلبة العلم، بما يتكفل بتغطية جزء من مصاريف سفرهم واقامتهم. وكانت تلك الممارسة منتشرة في الأحساء انتشاراً واسعاً، إذ كان أصحاب الثروات، لا سيما العصاميون المجربون منهم، يدركون أن الأحوال الاقتصادية تتقلب، وأن مقدرة الناس على الكسب تتفاوت، ولذا فقد درجوا على إيقاف أجزاءً مهمة من ثرواتهم “تحوطاً” لتلك المخاطر أن تحيق بمن يحبون، أما الهدف الأول فكان دائماً طلب الأجر والمثوبة من الله سبحانه.

وفي نهاية الأسبوع الماضي، أعادت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن تلك الخواطر للذهن، من خلال تكريم سمو رئيس مجلس إدارة أوقاف الجامعة للمانحين والتوقيع على مذكرات لمشاريع ومبادرات ذات صلة. فقد أخذنا الحفل البهي، البسيط شكلاً والجوهري موضوعاً، لأجواء عابقة تتمحور حول: طلب الأجر من الله سبحانه، والإيثار، والسعي لدعم العلم وأهله. واللافت أن المساهمين في الوقف لم ينحصروا على أصحاب الثروات الكبيرة، بل شمل كذلك أساتذة من الجامعة وبعض المهتمين ممن ساهم بآلاف قليلة عندما تقارنها بقيمة الوقف التي تقدر بمليار ريال، ومحفظة أراض بنحو 800 مليون ريال.. لكن آلاف الريالات تلك تبين أن الأمر ليس حكراً على الأثرياء، بل كل منا بوسعه المساهمة إن رَغب.

لكني تركت الحفل، ولدي سؤال؛ لماذا لا ينظر في الاستفادة من تجارب ممارسة على نطاق واسع في الكويت والأردن، وبدأت مؤخراً تطبق عندنا، بإتاحة المساهمة في الوقف من خلال قسائم ذات قيمة تبدأ بمئة ريال ومضاعفاتها؟ والفائدة هنا إتاحة الفرصة لشريحة أوسع، واستقطاب مساهمة التلاميذ رغبة في إحياء سنة الوقف، فللإحياء أوجه متعددة، بادرت جامعتي الرائدة ببعضها وأتمنى أن توسع؛ حتى لا تصبح المساهمة في الوقف عملاً نخبوياً بعيداً عن المتناول.

المصدر: صحيفة اليوم السعودية.

انجازاتنا

شركاؤنا