بين الأعمال الخيرية وبين الصدقات. أية فروق؟ وأية تميزات؟

21/09/2014

sadaqa.jpg

 

الأحد 26 ذو القعدة 1435هـ 21 سبتمبر 2014م

إن كانت الصدقة – وهي “Aumone” بالفرنسية، و” Alms ” بالأنجليزية، وEleemosyna ” باللاتينية تعني: “العطية المصحوبة بالمحبة. يراد بها المثوبة من الله لا المكرمة (أي الكرم). وهي أعم من الزكاة”. فإن استنتاجنا العقلي والتاريخي، يفيد بأنها لم تكن حديثة العهد بالظهور بين البشر. فقد كان العمل يجري بها منذ أقدم العصور. ولا مجال للقول بأن الإسلام هو الذي أتى بها كوجه من وجوه المحامد التي تجسد في الواقع عدة فضائل أخلاقية هي: الحب، والتكافل والمساعدة، والإحساس بالأخوة الإنسانية، بحيث يكون العمل الخيري في الإسلام امتدادا لنفس العمل الذي دعت إليه كافة الديانات السماوية، وكافة الأخلاق البشرية! وهذا ما يستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم: “بعثت لأتمم حسن الأخلاق” عند مالك في “الموطأ”. وقوله: “إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق” عند أحمد في مسنده!

ونعتقد جازمين أن المنادين باعتماد ما أصبح يعرف بالقيم الكونية لتقويم حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لا يستطيعون إنكار ما هنالك من مسمى “الأعمال الخيرية” بعيدا عما يصمون عنه آذانهم من “الأوقاف” و”الزكاة”! فقط لأنهما مبدآن إسلاميان، لا يصبان معا إلا في خانة التكافل والتعاون، ما دام وجود الأغنياء والفقراء واقعا اجتماعيا كونيا في كل زمن وفي كل مكان.

وعلى الرافضين لهذه المقولة أن يقدموا لنا نموذجا واحدا لمدينة فاضلة، أو لدولة فاضلة، لا فقراء فيها عبر العالم برمته! كان المشرفون على إدارتها مسلمين، أو علمانيين ليبراليين أو اشتراكيين أو شيوعيين، ما دامت الشيوعية لم تخلف وراءها غير الفشل الذريع. وهو فشل لم يقدم سوى ازدياد عدد الفقراء في مقابل ثلة من الأثرياء، الذين يمثلون حكاما يزعمون أن تسيير شؤون دولهم، إنما هو باسم “الطبقة البروليتارية”! لكنهم باسمها المزعوم لم يعززوا غير الديكتاتورية التي تماثلها أخرى في العالم الثالث الدائر في فلك القطبين. فكان أن أسفر الاستبداد الممنهج عن أزمات اقتصادية من جهة، وعن انحسار المد الإصلاحي من جهة ثانية! مما يعني أن ازدياد أعداد من يعيشون تحت سقف الفقر يتجه حثيثا لإدراك ذروته! ولم تجد دول العالم كله غير الاستعانة بمسمى الأعمال الخيرية. وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية! فكثر الإقبال على تأسيس جمعيات تقدم مساعدات عينية وغير عينية للبؤساء المنتشرين بكثافة في كافة دول المعمور؟؟؟

والأعمال الخيرية “Les activites caritatives” إن نحن سألنا من هاجمونا حين حديثنا عن “الأوقاف والزكاة” في أي إطار تدخل؟ أولا يدل اسمها على أن التضاد يجمع بينها وبين الأعمال السيئة؟ وإهمال مساعدة المحتاجين، هل نعتبره مطلوبا أو غير مطلوب، حتى لا يدعي من يجهلون واقع المجتمعات البشرية بأن الصدقة مس بكرامة المواطنين؟ وأن المطلوب هو فتح مزيد من أوراش العمل، وإحداث عدة وظائف، حتى لا يضطروا إلى مد أياديهم للمحسنين أو للمساعدين، أو للعاملين على رفع وتيرة وقيمة التكافل والتعاضد؟

لقد زعم البعض – وأنا أدعو إلى تفعيل الوقف والزكاة – بأنني أدعو إلى تفعيل قيم ومبادئ العصور الوسطى وكأنها غير إنسانية بالمرة! وزعمه هذا إن كان يهمه تجاوزه أو التخلي عنه، فعليه أن يدعو إلى الكف عن قبول صدقات الغير! وأن ينظم حملة محورها المطالبة بحل كافة الجمعيات الخيرية! وأن يدعو المعوزين إلى رفع أصواتهم عالية معلنين رفضهم التام لأية مساعدة يقدمها لهم أي كان – وديننا الحنيف يساندهم فيما سوف يدعون إليه – يكفي أن نفهم بدقة قوله صلى الله عليه وسلم: “اليد العليا خير من اليد السفلى”! وهذا من رسولنا الأكرم تحفيز على العمل “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون”. ونحن معه لا نقبل أن يعيش المغاربة على الصدقات! هذه التي يتلقاها المواطن من أطراف عدة.

أو تتلقاها الدولة من دول أخرى ثرية لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية! فنحن لا زلنا نتذكر– والحرب بين المعسكرين: الشيوعي والرأسمالي قائمة – كيف انهالت علينا المعونات الأمريكية، إلى حد أن الأكياس المعبأة بالدقيق مكتوب عليها “هدية من الشعب الأمريكي”! بل إن بعض النسوة في الأحياء الفقيرة، حولن كيسين أو ثلاثة إلى رداء يتلحفنه وهن خارجات من المنزل، بحيث ننظر إلى ظهورهن وهن يمشين أمامنا مكتوب عليها “هدية من الشعب الأمريكي”! والهدية حتى لا ننسى وجه من وجوه الصدقة!

وقد كنا حينها نشعر بضيق شديد لإهانتنا وإهانة أمهاتنا وأخواتنا، ولم نجد العزاء إلا في حلقات سرية لعناصر من الحزب الشيوعي الممنوع! حين يخاطبنا المسؤول عن خليتنا فيقول: من الظلم أن لا تخلو مائدة البعض من اللحوم ومختلف أنواع الفواكه صباح مساء! بينما الأغلبية الساحقة من المغاربة تعيش على الخبز والشاي، أو عليه وعلى الماء!!! فنشعر بغبطة وقائد حلقتنا يصور لنا ونتصور معه – ولعابنا يسيل – عيش الروس في الاتحاد السوفياتي، وفي كل الدول الشيوعية الدائرة في فلكه! فإذا بالسنين تحدثنا عن هزيمة نكراء تلحق بالمعسكر الشيوعي وبأذنابه في العالمين: العربي والإسلامي! بل وإذا بالكل ينخرط رغم أنفه في اقتصاد السوق! حتى إذا ما انتقلت دولنا الاشتراكية المزعومة إلى هذا الاقتصاد، وجد الحكام أنفسهم قد تعودوا عليه! فقد كانوا كحكام عسكريين حزبيين متمسكين بالفكر الظلامي السلطوي! يسيطرون على مختلف محاور الاقتصاد في الدول التي يحكمونها! وكأن النقلة النوعية التي يجري الحديث عنها، لم تغير من الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي أي شيء يذكر! فاسألوا إن ارتابكم الشك فيما نقول: أحرار مصر! وأحرار ليبيا! وأحرار اليمن! وأحرار سوريا! على عهود: عبد الناصر والسادات ومبارك. والقذافي، وعلي عبد الله صالح، وأسدي بلاد الشام: حافظ وبشار! دون أن تنسوا استفهامكم المشروع لأحرار العراق أثناء حكم البعثيين الاشتراكيين، عما إذا كانت جذور الفقر بمناسبة تبني الاشتراكية الثورية أو العلمية، قد تم اجتثاتها إلى غير رجعة!!!

إلا أن عواء الذئاب – حتى لا نظلم الاشتراكين – لم يكن يسمع في بلدان المعسكر الشرقي وحده! وإنما كان يسمع كذلك في المعسكر الغربي بما فيه الدول العربية. وعواؤها ينطلق من أساس مشترك، هو أنه لم ير متسلمو زمام تسيير شؤوننا من الاستعمار ضرورة استفتاء شعوبنا، لمعرفة ما إذا كانت ترغب في العودة إلى النظام الإسلامي؟ أو ترغب في البقاء على النظام العلماني المفروض علينا بشطريه: نقصد النظام الليبرالاوي، والنظام الاشتراكاوي بتعبيرنا الذي نقدمه على التعبير المتداول! كما يجمع بينها كدول كون حكامها مستبدين! فضلا عن إبقائهم على القوانين الوضعية كموروث استعماري! وحتى إذا ما تم لحكامنا تعديلها جزئيا، أو بإضافة قوانين وضعية محلية إليها، فإن هذه القوانين التي يريد البعض الاكتفاء بها إلى حد مغالاته في امتداحها، مصابة بعاهتين: عاهة كونها غير عادلة من جهة، وعاهة كون تفعيلها لا يجري في الواقع بقدر ما يجري تحريفها عن مجراها في مناسبات سياسية بالدرجة الأولى!!!

إضافة إلى اشتراك قادة الدول العربية تحديدا في تقديم مسمى الدساتير الممنوحة! هذه التي تشبه إلى حد بعيد صدقة جارية! حيث إنهم حريصون على أن يظل العمل بها مدى الدهر! وحتى إذا ما تم لهم تعديلها من خلال الاستفتاءات المشبوهة المغشوشة، تحت ضغط الشارع، فإنما للقيام بعملية أشبه ما تكون بتقسيط السلع! إذ الشعوب في نظرهم غير ناضجة بعد لأن تتسلم زمام إدارة شؤونها بنفسها عبر صناديق الاقتراع! حتى إذا ما تم لها ذلك (تذكروا الجزائر وفلسطين ومصر)، وشرعت في اتخاد القرارات الضرورية عبر منتخبيها، هاجمت “الفئة الباغية”، أو “الأقلية الخادعة”، أو “الداعشية العلمانية” مشروعها الذي أسفرت عنه الانتخابات الحرة النزيهة لتنسفه نسفا من أساسه! عندها تتم العودة مجددا إلى مواصلة العواء!

ثم يسفر عواؤها المتواصل عن استفحال أزمة البطالة،، وعن اتساع دائرة الفقر والعوز. فكان أن شجع قادة الدول أنفسهم على تأسيس جمعيات إحسانية خيرية، مع اتضاح الهدف من وراء الإكثار منها! إنه تقاسم ثقل البحث عن مخارج غير مكلفة لإطعام آلاف الأسر وملايين الأفواه! وعدد الجمعيات الخيرية في بلدنا لا أتوفر عليه. وما لدي بخصوصه هو أن جلها يديره العلمانيون. وفي نفس سياق تأسيس هذه الجمعيات، يدخل مسمى: “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”!

وإن نحن سألنا رؤساء الجمعيات الإحسانية أو الخيرية عما يعنيه العمل الذي تقوم به جمعياتهم، أو سألناهم عما وراء العمل الخيري الذي تمارسه كنشاط تجندت من أجله بما تملك من طاقات، لما تحدثوا لنا إلا عن كونهم فاعلي خير! وإلا عن كونهم يسدون ما أمكن من المعروف إلى المحتاجين! أو إنهم يمارسون الواجب الوطني في التعاون والتعاضد! وأعمال جمعياتهم المضافة إلى فعل الخير أو التعاضد والتكامل، هي بالنسبة إلينا مضافة إلى ما أوجب الله علينا فعله، مقابل الشر الذي هو الضد المقابل له، إذ بين الخير والشر علاقة تضاد وتمايز، لا علاقة تماثل وتكامل. وبمعنى آخر، ما يتقزز العلمانيون من مجرد ذكره، هو أن ما تمارسه الجمعيات الخيرية يدخل في إطار: الأمر بالمعروف (= الإحسان إلى المحتاجين)، والنهي عن المنكر (= إهمال الدولة لأحوالهم المتردية)!!!

ففي القرآن كلام كثير عن الخير ومشتقاته، يكفي سوق قوله سبحانه: “وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله”. فتكون الصدقة بمختلف أنواعها وبكيفيات أدائها خيرا، جزاء فاعله مضمون. وحتى إن رفض العلمانيون من قادة الأعمال الخيرية انتظار أي جزاء رباني يذكر، فهذا لا يعني أنهم ثاروا ضد كل ما يصل إلى المحتاجين من مال ومتاع بدون مقابل، على اعتبار أنه صدقة أو زكاة! كما أنهم في الوقت ذاته لا يستطيعون إلغاء الجمعيات الخيرية الإحسانية من الوجود! وإن تبجح بعض المعارضين الذين لم يدركوا مضامين ما كتبته عن الأوقاف والزكاة، وادعوا أنهما وسيلتان لاستصغار من يستفيدون منهما وتحقيرهم، في الوقت الذي ينتظرون فيه من حكومة بنكيران القضاء على البطالة، فإن الإحساس بوجود معاناة العاطلين عن العمل، لا يبعث على تركهم لمعاناتهم تلك. وإنما يبعث على مواساتهم بما تيسر من عون متوفر. وإلا أصبحنا مجرد أناس خالين من أية مشاعر، أومن أية عواطف إنسانية. فنكون حينها قد أغلقنا الأبواب أمام مسمى الضمير الأخلاقي الذي يجري تفعيله في الدول الغربية العلمانية ذاتها لمواجهة الفقر والاحتياج والعوز والإملاق.

ويبدو أن من تدمروا من ذكر “الأوقاف” و”الزكاة” لم يدركوا كيف أن “العمل الخيري” مفهوم تم انتزاعه من قاموس العمل الديني، لأنه مبدأ من مبادئ الدين، مع تشجيع المسلمين على العمل كي يصبحوا خارج الاحتياج إلى اليد العليا التي تمدهم بالعون. واليد العليا في غياب تفعيل الزكاة والأوقاف، هي ما تجود به الجمعيات من طعام، وألبسة، وأفرشة، وأدوات مدرسية، ومساعدات مالية، فيصبح العلمانيون المتأففون من مجرد ذكر الصدقة، كمن يقبلون القيام بفعل الخير، إنما دون انطلاق من الدين واعتماد عليه! يعني أن المنطلق عندهم لا يتم إلا من مبدأ أخلاقي لا من مبدأ ديني. نقصد من مبدأ قائم على أساس عقلي وعاطفي، لا على أساس نقلي. لكن الهدف في النهاية لدى العقليين والنقليين، هو التعبير عن المشاعر الجياشة تجاه المحتاجين، إلا أن القائمين بفعل الخير من العلمانيين – إن تجردوا كليا من القبول بالدبن – لا يتوقعون من الله الثواب! بينما المتصدقون ممن صح إسلامهم، ومن الثابتين عليه، يرجون من الله الأجر الذي وعد به الخيرين، الذين “يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة”! تذكيرا هنا بالأنصار الذين وضعوا ما يملكون تحت تصرف إخوانهم المهاجرين في الله أو في سبيل الله.

ولدي رغبة قوية في أن يقف القراء على المبتغى من وراء كتاباتي، فسوف يجدون بأن وراءها فضحا متعمدا للممارسات السياسية المنحرفة للدول العربية! حتى وإن كان جل مقالاتي يدور حول الدين الذي جرى تحريفه لتدعيم السياسة الاستبدادية، إلى الحد الذي لا يمكننا عنده الحديث عن الديمقراطية والحرية والكرامة والمساواة، كقيم تتمتع بها الشعوب من خلال الحياة اليومية في كافة المجالات. فكان أن وقفت بمقالاتي وبكتبي في وجه المستغلين للدين، كطرقيين ضلاليين، وكقبوريين ظلاميين، وكحكام، حيث إنني واجهتهم من منطلق استغلال الشطح بمختلف أنواعه: شطح في مسمى حلقات الذكر! وشطح في تلقي القربان من المخدوعين الذين يحضرون إلى أضرحة أولياء هويتهم مهزوزة! حتى وإن لم تكن كذلك، فليس لدى الدولة ولا لدى علمائها أي مبرر لبنائها وتخصيص نوع من العبادة لها، وتشجيع المترددين عليها، مع ما يقدمونه من فتوح ومن احترامات وتوسلات لمجرد أشخاص نهانا ديننا عن اتخاذهم أربابا من دون الله! أما الشطح الثالث فتتضمنه القناعات الصوفية التي نذكر من بينها “وحدة الوجود” و”الحقيقة المحمدية” و”خاتم الأولياء” و”قطب الأقطاب” والأبدال” و”النجباء” و”النقباء” و”رجال الغيب” و”مول النوبة”!!!

فضلا عن كوني أبحث عن كيفيات إنقاذ ضعاف الأمة من الفقر المدقع. ومن هنا كتبت مقالا في هذه الجريدة الحرة المستقلة منذ شهور تحت عنوان “للقضاء على البطالة ولإسعاد آلاف الأسر”، حيث اقترحت اقتراحات عدة لانتشال العاطلين عن العمل من المعاناة التي وجدوا أنفسهم مرغمين في أتونها يحترقون! وكأنهم قاموا بجرائم، عقوبتها تركهم وشأنهم في بيداء أو في فلاة من الفقر الذي يدفع بالكثيرين إلى ممارسة أي عمل، حتى ولو بثمن بخس دراهم معدودة، وقد يدفع بعضهم إلى الانتحار بكيفيات مختلفة: حرق للأجساد، أو غرق في البحر، أوشنق متعمد بالحبال أو الأسلاك! أو سقوط من الأعلى إلى الأسفل! وفيهم – للأسف الشديد – دكاترة، وحملة مختلف الشهادات من داخل المغرب ومن خارجه. وربما أعود في مقال مستقل إلى الكيفية التي سوف يتم بها استغلال الزكاة وأموال الأوقاف. قلل المعترضون من شدة تهجمهم علي أو لم يقللوا منها! خاصة وأنني أوضحت لهم كيف أن الأعمال الخيرية التي يمارسها العلمانيون، وبدعم من الدولة وتحت إشرافها ورعايتها، ما هي إلا وجوه من وجوه مبادئ الإسلام السمحة، التي ترى أن في أموال الأثرياء حقا للسائل والمحروم. وذلك حتى لا يظل اسم الزكاة مجرد صدقة يتم تحديد مقدارها.

وإنما للتأكيد على أن للمعوزين حقوقا لا بد من أخذها من الأثرياء مرغمين، لا مختارين! وحتى لا ينزعج البعض من اقتراحي بخصوص تفعيل الأوقاف والزكاة، أخبره بأنني لا أريد أن يتسلمها مستحقوها مباشرة من الدولة، وإنما يتم جمعها ليتم تشغيلها كمشاريع تعم كافة الأقاليم المغربية، حتى يتمكن المفتقرون إليها كصدقة من العمل لكسب ما هم في حاجة إليه من أموال ومن متاع! وحتى لا يتعودوا على مد أياديهم السفلى لأيادي الأغنياء العليا! يعني أن حلمي الشخصي في النهاية، هو أن لا يوجد أي مسكين وأي فقير وأي معوز في بلدنا! عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: “تصدقوا فسيأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته فيقول الذي يأتيه بها: لو جئت بها الأمس لقبلتها! فأما الآن فلا حاجة لي فيها، فلا يجد من يقبلها”!!! مع الإشارة الفورية إلى أن تحقيق هذا الحلم الذي هو بمثابة توقع أخبرنا به الرسول الأكرم ، يقع أولا وأخيرا على عاتق الشعوب والحكام في الآن ذاته!!! وإني لأرى هنا إحالة المترددين بخصوص قبول توجيهات الدين أو رفضها على رهان “باسكال”! لأنهم حينها سوف يجنون ما لم يستطيعوا جنيه لو أنهم مصرون على رفض الدين ومقولاته ومقوماته؟؟؟

ثم إنني لم أكن لأخفي انزعاجي من ممارسة رئيس الحكومة السلطوية، فأنا ممن يلومونه وأصدقاءه ورفاقه لاستيلائهم على ما تمخضت عنه انتفاضة الشعب المغربي بمناسبة الربيع العربي! وحتى إذا ما ادعى أن حكومته حكومة إسلامية، فإنني وضعت أمامه مبدأين، أساسهما التكافل الاجتماعي لغاية إعلام المغاربة، بأن حكومة الملتحين أبعد ما تكون عن حكومة، على أساس الإسلام الحق ترسو دعائمها! ودعوتي إلى تفعيل الزكاة والأوقاف من زاوية اشتغالي بنقد الفكر الديني عندنا، تدخل – زيادة على ما تقدم – في إطار تقوية الأعمال الخيرية علانية من منظور الإسلام، لا من منظور القناعات العلمانية العروبية التي كانت وراء ولادة تنظيم القاعدة! وتنظيم داعش! وغيرهما من الوجوه التي تجري بخصوص ممثليها تساؤلات عما إذا كانوا أبناء شرعيين لدول عربية، حالفت الاستبداد وصادقت الظلم والطغيان! أم إنهم أبناء غير شرعيين أو عاقين، إلى الحد الذي جعل الحكام العرب يستنجدون بالأمبريالية العالمية لقطع دابرهم! كما تم الاستنجاد بها لقطع دابر صدام حسين! ومعمر القذافي! وبشار الأسد! والبقية تأتي!

المصدر: صحيفة هسبريس المغربية .

انجازاتنا

شركاؤنا