مرونة التشريع في تأجير الوقف

12/07/2016

wkf_copy.jpg

 

الثلاثاء 7 شوال 1437هـ الموافق 12 يوليو 2016 م

إن روعة التشريع الإسلامي في مسائل الأوقاف لم تتوقَّف عند مسألة الاستبدال؛ فرغم الآراء الرائعة التي تناولتها عقول الفقهاء ومؤلفاتهم تجاه هذه القضيَّة البارزة؛ إلا أنهم حرصوا على أقصى استفادة ممكنة من الوقف، ومن ثَمَّ فإنهم رَأَوْا أن المصلحة تقتضي تأجير العين الموقوفة.

فقد عَرَّف الفقهاء الإجارة بأنها تمليك منفعة بعِوَض بشروط حدَّدها الفقهاء[1]، وإجارة الوقف قد اختلفت عن عقود الإجارة الأخرى؛ لأن الفقهاء قد احتاطوا في أمر الوقف؛ إعمالاً لمصلحة الوقف ذاته ولمصلحة الموقوف عليهم، وجعلَ الفقهاءُ ولاية الوقف للناظر أو المتولِّي؛ حيث يهتمُّ بتنمية الوقف ومزارعته ومساقاته، وغيرها من الأمور المتعلِّقَة برعايته.

لذا فإن الأصل في إجارة الوقف عند جمهور الفقهاء أن تكون من صلاحيَّة الناظر، أو من صلاحيَّة القاضي؛ فقد ذكر الأُسْرُوشَنِيُّ[2] أنه رأى في المنقول أن إجارة الموقوف عليه لا تجوز، وإنما يملك الإجارة الناظر أو القاضي[3].

فالوقف من المنافع العامَّة التي لا تقتصر الاستفادة بها على طائفة بعينها؛ ولذلك فإن الاستفادة من عقار وقفي عن طريق إيجاره لا تتمُّ إلا من خلال الناظر أو القاضي، ولا تصحُّ من الموقوف عليهم؛ لأن استحقاقهم للمنفعة المترتبة من العين الموقوفة لا يعني وكالتهم لها، وهذا من الحكمة البالغة؛ لأن الموقوف عليهم غالبًا ما يكونون مجموعة كبيرة لا تتَّفق على رأي بعينه، ومن ثَمَّ فالمصلحة تقتضي أن يكون للوقف مُتَوَلٍّ يحميه، أو قاضٍ يُشرف على أحواله وشئونه.

وإيجار الوقف يخضع للعرف السائد، وليس لمتولِّي الوقف أن يُؤَجِّره فيغبن سعره؛ فقد جاء في (الدر المختار) أن: “متولِّي أرض الوقف إنْ آجَرَهَا بغير أجر المثل يلزم مستأجرها”[4]. أي يلزم لمستأجرها أن يدفع أجرة مثلها في البلدة أو الدولة نفسها؛ لأن غبن الوقف بإيجاره بأقلَّ من أجرة المِثْلِ يكون سببًا في سوء أوضاع الموقوف عليهم، وهذا أمر منافٍ للمصلحة، وهو ما أفتى به ابن نُجيم[5]، فذكره في (البحر الرائق) قائلاً: “ولا تجوز إجارته لأجنبي إلاَّ بأجرة المِثْلِ؛ لأن ما نقص يكون إضرارًا بالفقراء”[6].

هذه الضوابط المهمَّة التي وضعها فقهاؤنا كانت سببًا من الأسباب الرئيسة في حماية الأوقاف من الضياع والتلف، ولمَّا أهمل المسلمون هذه الضوابط المهمَّة في القرون المتأخِّرة -خاصَّة القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين- وجدنا تعدِّيًا ملحوظًا على الأوقاف، ولذلك حمل ابن عابدين[7] رحمه الله في حاشيته على أولئك الذين يُؤَجِّرُون الأوقاف بأقلَّ ممَّا يجب، فخالفوا بذلك شروط الواقفين وأغراضهم، وتعدَّوُا الشرع الحنيف فقال رحمه الله: “وكل ذلك صار الأمر فيه بالعكس في زماننا؛ حتى إن القضاة حيث لم يجدوا حيلة في المذهب على الوقف توسَّلُوا إليها بمذهب الغير، فآل الأمر إلى الاستيلاء على الأوقاف واندراس المساجد والمدارس والعلماء، وافتقار المستحِقِّين وذراري الواقفين، وإذا تكَلَّم أحد بين الناس بذلك يَعُدُّونَ كلامه منكرًا من القول، وهذه بلية قديمة، فقد ذكر العلامة قنلي زاده[8] ما ملخَّصه: أن مسألة البناء والغرس على أرض الوقف كثيرة الوقوع في البلدان خصوصًا في دمشق، فإن بساتينها كثيرة وأكثرها أوقاف غَرَسَها المستأْجِرُونَ وجعلوها أملاكًا، وأكثر إجاراتها بأقلَّ من أَجْرِ المِثْلِ؛ إمَّا ابتداء وإمَّا بزيادة الرغبات، وكذلك حوانيت البلدان، فإذا طلب المتولِّي أو القاضي رفع إجاراتها إلى أجر المثل؛ يتظلَّم المستأجرون، ويزعمون أنه ظلمٌ، وهم ظالمون… وبعض الصدور والأكابر يُعاونونهم، ويزعمون أن هذا يُحَرِّك فتنة على الناس، وأن الصواب إبقاءُ الأمور على ما هي عليه، وأن شرَّ الأمور محدثاتها، ولا يعلمون أن الشرَّ في إغضاء العين عن الشَّرْعِ، وأن إحياء السُّنَّة عند فساد الأُمَّة من أفضل الجهاد وأجزل القُرَبِ، فيجب على كل قاضٍ عادل عالم، وعلى كل قيِّم أمين غير ظالمٍ أن ينظر في الأوقاف، فإن كان بحيث إذا رفع البناء والغرس تُسْتَأْجَر بأكثر، يفسخ الإجارة ويرفع بناءه وغرسه، أو يقبلها بهذه الأجرة، وقلَّما يضرُّ الرفع بالأرض، فإن الغالب أن فيه نفعًا وغبطة للوقف. إلى آخر ما قال رحمه الله تعالى”[9].

ولذلك وَسَدًّا للذرائع واهتمامًا من الفقهاء بمصالح الوقف والمستحِقِّين، فقد شرَطوا في إجارة ناظر الوقف أنه ليس له أن يُؤَجِّر الوقف لنفسه، ولا لأي شخص في ولايته؛ كولده القاصر، أو أخته التي مات عائلها؛ لأنه لَمَّا كان هؤلاء الأشخاص خاضعين لولايته، فإنه في هذه الحالة يكون مؤجِّرًا ومستأجِرًا في الوقت نفسه، أو متولِّيًا لطرفي العقد، فيتسبَّبُ ذلك في فساد العقد؛ بيد أنه يمكن للقاضي إن رأى مصلحة عائدة على الوقف أو الموقوف عليهم أن يؤجِّر للناظر؛ فيكون القاضي مؤجِّرًا والناظر مستأجرًا، وهو ما جعله الحنفيَّة أمرًا جائزًا[10].

كما لا يصحُّ لناظر الوقف أن يؤجِّر الوقف لأشخاص لا تُقْبَلُ شهادتهم له، وهم الأصول والفروع والزوجة؛ وذلك بُعدًا عن التهمة والتحيُّز والاستغلال[11].

ولقد تناول الفقهاء مدَّة إيجار الوقف واتَّفَقَ الجمهور-من متأخِّرِي الحنفيَّة والمالكيَّة والشافعيَّة والحنابلة- على وجوب تعيين مدَّة الإيجار، وألاَّ تكون إجارة الوقف مطلقة؛ لأن إطلاق الإجارة يتسبَّب في إضرار المستحِقِّين، وضياع عين الوقف، وكذا طمع المستأجرين، وكل ذلك متسبِّب في ضياع المصالح المختلفة؛ لكنهم شرطوا في زيادة مدَّة الإيجار أن يترتَّب عليها مصالح مُحَقَّقة للوقف والموقوف عليهم.

ولذلك شرح ابن نجيم الحنفي قول الإمام حافظ الدين النسفي[12]: (ولم تَزِدْ[13] في الأَوْقَافِ على ثَلاثِ سِنِينَ). بقوله: “يعني لا يُزَادُ على هذه المدَّة خوفًا من دعوى المستأجر أنها مِلْكُهُ إذا تطاولت المدَّة، وذكر بعضهم الحيلة في جواز الزِّيادة على ثلاث سنين؛ أن يعقد عقودًا كلَّ عقدٍ على سنةٍ، ويكتب في الكتاب أنَّ فلان بن فلانٍ استأجر وقف كذا كذا سنةً في كذا كذا عقدًا، وذكر صدر الإسلام البَزْدَوِيّ[14] أنَّ الحيلة فيه أن يُرْفَعَ الأَمْرُ إلَى الْحَاكِمِ حتى يُجِيزَهُ”[15].

ومن ثَمَّ اشترط المالكيَّة[16] في زيادة مدَّة الإيجار وجود ضرورة للوقف وللموقوف عليهم؛ بحيث يترتَّب على زيادة مدَّة الإيجار إصلاح عين الوقف، فذُكر في (منح الجليل) أنه قد وقع في زمن القاضي ابن باديس[17] بالقيروان “أن دارًا حبسًا على الفقراء خربت، ولم يُوجَدْ ما تُصلح به، فأفتى بأنها تُكرى[18] السنين الكثيرة كيف تتيسَّر بشرط إصلاحها من كرائها، ولم يسمح ببيعها، وهو المعمول عليه”[19].

وكذلك راعى الشافعيَّة المصلحة عند كلامهم عن إيجار الوقف؛ فقد ذكر الهيتمي[20] في (تحفة المحتاج): “واصطلاحُ الحُكَّام على أنه لا يُؤجَّر أكثر من ثلاث سنين لئلاَّ يندرس استحسان منهم، وإن رُدَّ بأنه لا معنى له، على أنه لم يُنقل عن مجتهد شافعي منهم، وإنما اشترطنا ذلك لفساد الزمان بغلبة الاستيلاء على الوقف عند طول المدة”[21]. فالهيتمي وهو من متأخِّري الشافعيَّة يذكر أنه إن تحجَّج أحد بأن مجتهدي الشافعيَّة المتقدِّمين لم يُحَدِّدُوا مدَّة الإجارة؛ فإنَّ ذلك لا يمنع من تحديد المدَّة؛ بل إن المصلحة تستوجب ذلك؛ لفساد بعض المستأجرين الذين يَتَعَدَّوْنَ على الوقف فيستولَوْنَ عليه، وهذا من روائع فقهاء المسلمين، الذين لم يتقيَّدوا بما قاله المتقدِّمُون، وإنما اجتهدوا لسدِّ الخلل الحادث في عصورهم، وما ذلك إلا دليل على مرونة التشريع الإسلامي الحكيم الذي يصلح لكل زمان ومكان. 

وأمَّا رأي الحنابلة فيتبع المصلحةَ حيثما كانت؛ إذ لم يُقَيِّدُوا مدَّة إجارة الوقف بزمن مُعَيَّنٍ، وأَعْطَوُا الصلاحية الكاملة لمن له الحقُّ في إجارة الوقف بتأجير الموقوف المدَّة التي يراها مناسبة لمصلحة الوقف وللموقوف عليهم؛ لذلك نراهم يُجيزون “زيادة مدَّة الإجارة على ما شرطه الناظر بحسب المصلحة”[22].

وهذا ما يراه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقد أكَّد على حُرِّيَّة تأجير الناظر للوقف المدَّة التي يراها؛ شريطة أن يكون ذلك في مصلحة الوقف والموقوف عليهم، فقال: “والواجب على الناظر أن يفعل مصلحة الوقف في إجارة المكان مسانهة أو مشاهرة أو مياومة[23]، فإن كانت المصلحة أن يؤجِّره يومًا فيومًا، وكلَّما مضى يوم تمكَّن المستأجر من الإخلاء والمؤجِّر من أمره به فعل ذلك، وإن كانت المصلحة أن يؤجِّره مشاهرة، وعند رأس الشهر يتمكَّن المستأجر من الإخلاء والمؤجر من أمره به فعل ذلك، وأمَّا إن كانت المصلحة مسانهة فقد فعل ما عليه، وليس له أن يُخْرِجَه قبل انقضاء مدَّة الإجارة لأجل الزيادة”[24].

وفي المسألة ذاتها سُئل ابن تيمية رحمه الله “عن إجارة الوقف هل تجوز سنين وكل سنة بذاتها، وإذا قطع المستأجر من الوقف أشجارًا، هل تلزمه القيمة أم لا؟ وإذا شرى الوقف بدون القيمة ما يجب عليه؟ فأجاب: إن كان الوقف على جهة عامَّة جازت إجارته بحسب المصلحة ولا يتوقَّت ذلك بعددٍ عند أكثر العلماء، وما قطعه المستأجر فعليه ضمانه ولا يجوز للموقوف عليه بيع الوقف بل عليه ردُّ الثمن على المشتري والوقف على حاله”[25].

 

وهناك اختلاف بين الفقهاء حول انتهاء عقد الإجارة؛ فيرى جمهور الفقهاء من المالكيَّة والشافعيَّة والحنابلة أن عقد الإجارة لا ينفسخ بموت الناظر أو المؤجِّر، إنما يستمرُّ إلى أَجَلِهِ، ولورثة المؤجِّر استيفاء الأجرة، ولورثة المستأجر استيفاء المنفعة، خلافًا لرأي الحنفيَّة الذين يَرَوْنَ أن العقد ينفسخ بموت المستأجر، والواقع أن رأي الجمهور هنا أقرب إلى المنافع الجزيلة، والمصالح الشرعيَّة، وفيه نظرة شموليَّة راقية وعادلة؛ حيث حرص الجمهور على حفظ مال ونسل المستأجر، فلم يُخْرِجُوهم من العين؛ ما كانوا مستمرين في دفع قيمة الإيجار، وكذلك فيه حفظ لمصلحة المستحِقِّين؛ حيث استمرَّ الوقف في عمله ولم يَتَعَطَّل، ولا ينفسخ العقد هنا إلاَّ بانتهاء الأجل، أو انقطاع أهل المستأجر في دفع الأجرة، ولعلَّ رأي الحنفيَّة كان مبنيًّا على ما جَرَتْ عليه العادة من أن أهل المستأجر لا يقدرون على دفع الأجرة بعد موت عائلهم، ولكن من الواضح أن رأي الجمهور أشمل؛ حيث استوعب الحالتين، وبذلك تحقَّقت المصلحة بشكل أكبر[26].

المصدر: موقع قصة الإسلام

انجازاتنا

شركاؤنا