أوقاف بنت حضارة (2)

30/04/2013

alt

الثلاثاء 20 جمادى الأولى 1434هـ 30 آبريل 2013م

تحدثنا في الأسبوع الماضي عن تعريف الوقف وأدواره واليوم نتساءل ماذا حدث للوقف؟ وكيف فقد مكانته المركزية في المجتمع الإسلامي؟

نمت الأوقاف وازدهرت حتى في أحلك العصور الإسلامية فرغم تشرذم الأمة في الطور العباسي الثاني فإنه شهد كما يذكر الدكتور الصلابي في كتابه عن الدولة السلجوقية نشوء أوقاف كبيرة ومؤثرة مثل المدارس التي أنشأها الوزير نظام الملك السلجوقي في مختلف أقطار العالم الإسلامي. استمرت الأوقاف في النمو بعد أن استقر الأمر للدولة العثمانية وتنامى تأثيرها حتى توغلت في أوروبا وبعض هذه الأوقاف ما زالت قائمة منذ ذلك الحين، وقد زرت أحدها في العاصمة التركية وقد مضى على تأسيسه أكثر من مئة عام وما زال يخدم المسلمين في المناطق التي كانت خاضعة للحكم العثماني إبان تأسيس الوقف وغدت اليوم جمهوريات مستقلة غالباً ما يكون المسلمون فيها أقلية.

أسس العثمانيون عددا كبيرا من المجمعات الوقفية والتي كان مركزها جامعاً كبيراً واحتوت على مدارس ومستشفيات ومطاعم للفقراء وجامعات، أي باختصار كانت هذه الأوقاف مركز الحياة في كل مدينة من المدن التركية وكانت مستقلة بذاتها من خلال إدرارها الدخل الذي يكفي لإدارتها وتنميتها.

يذكر الدكتور نصر عارف في مقال له أنه مع سيطرة محمد علي باشا على مصر بدأ مشروع تحديث الدولة من خلال استيراد نموذج الدولة الأوروبي والذي قام على فكرة الدولة الشاملة المهيمنة على كل مناحي الحياة فكان منه أن أمم بعض الأوقاف وأهمل أخرى ليبدأ بذلك عصر أفول الوقف والذي تمددت فيه الدولة في القطاعات التي كان الوقف يقوم عليها مثل التعليم والصحة والمساجد.

مع الاستعمار واستكمال استيراد نموذج الدولة القومية الأوروبي كادت الأوقاف تندثر تماماً وصار معظمها أثراً بعد عين وما بقي منها تقلص في حجمه وتأثيره أو تبع لمؤسسات الدولة المختلفة وكان في نهاية هذا العهد أن أمم الأزهر أحد أكبر الأوقاف وأهمها في العالم الإسلامي. نتيجة للحروب وحالة عدم الاستقرار أهملت العديد من الأوقاف في المدن الإسلامية وغابت واندثرت وانتهى اعتماد العائلات المختلفة على الأوقاف الأهلية وتنامى دور الدولة في رعاية المحتاجين وتقديم الخدمات للمواطنين، ولكن الفراغ الذي خلفه الوقف مع الأزمات الاقتصادية المتكررة كان أكبر من أن تقوم الدولة بسده وهنا ظهرت المؤسسات الخيرية كبديل للوقف الإسلامي.

المؤسسة الخيرية تقوم بشيء من الدور الذي قام به الوقف وهو رعاية المحتاجين ولكنها تأسست على أن تجمع التبرعات من الناس لتعيد إنفاقها بشكل أو بآخر على المحتاجين ونمت هذه الجمعيات في الفراغ الذي خلفته الأوقاف لتسد حاجة ملحة في المجتمعات الناشئة وسريعة النمو في العالم العربي وسرعان ما صارت هذه الجمعيات تنافس المؤسسات الخيرية العالمية في مجال العمل الإغاثي والخيري وكونت لها اسماً في فضاء المجتمع المدني عالمياً.

أما الحالة التركية فظلت محتفظة بالشكل الأصلي للأوقاف فما زالت كلمة «وقف» تطلق حتى على الجمعيات المدنية الحديثة في تركيا وما زال الوقف قطاعاً لا يستهان به اقتصادياً في المجتمع التركي كما حافظت الأوقاف السلطانية على وجودها مع بعض التطوير والتحسين وتنازلت عن بعض أدوارها خاصة التعليمية منها لمؤسسات الدولة الحديثة.

عاد الوقف للظهور مجدداً مع نضج التجربة الخيرية العربية والإسلامية لتعود المؤسسات الخيرية إلى إحياء الوقف من خلال تأسيس أوقاف تابعة لها يصرف منها على وجوه الخير المختلفة ولعل منطقة الخليج على وجه الخصوص تزخر بالمئات من الأوقاف خاصة العقارية التي تمتلكها جمعيات أو هيئات خيرية مختلفة.

كنتيجة لهذه العودة للوقف أنشأت دول المنطقة هيئات حكومية للإشراف على الأوقاف وتنظيمها لتكون هذه المؤسسات في بعض الأحيان رافداً للوقف وضامناً لاستمراريته وفي تارة أخرى أدوات للتضييق عليه بما يتوافق وسياسات الدول المختلفة. ظهرت في الكويت المبرات الخيرية وفي بقية دول المنطقة المؤسسات الوقفية الخيرية ليعود الوقف بذلك إلى الواجهة في التنمية الاجتماعية، وها هو اليوم ينافس مرة أخرى في المجال الخيري ولكن بصبغة محدثة ومتوافقة مع الأنظمة التي تحكم المجمتع.

رغم هذا التطور في إحياء الوقف فإن الوقف ما زال أقل تأثيراً وبشكل بالغ مما كان عليه قبل سقوط الدولة العثمانية، ولعل ذلك يعود جزئياً إلى تغطية الدولة للمساحات التي كانت سابقاً من اختصاص الوقف ولكن ما زال هناك مساحة كبيرة بإمكان الوقف أن يتحرك فيها ويعمل كرافعة للتنمية الاجتماعية. إن ثقافة التبرعات لا تضمن لعمل الخير الاستمرارية بل تجعله عرضة للصدمات المتتابعة نتيجة تغير مزاج المتبرع أو ضعف الأداء الاقتصادي في المجتمع.

في الأسبوع المقبل سنعرض أفكاراً لإحياء الوقف ونشر ثقافته في مجتمعاتنا.

المصدر: صحيفة العرب القطرية

انجازاتنا

شركاؤنا